عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
63
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
فما ورد يسير في جنب ما لم يرد على أن ما ورد لا يجمعه هيكل سواه ، ولم يحظ به أحد غيره صلى اللّه عليه وسلم ، وقد علمت بذلك كماله الخلقي . وأمّا كماله الحقي الذي قد حباه اللّه تعالى به فأعظم من أن يدرك لها غور ، أو يعرف له غاية ؛ إذ كان صلى اللّه عليه وسلم متحققا بجميع الأخلاق الإلهية . وقد أوردت ذلك صفة صفة واسما اسما في كتابنا الموسوم بالكمالات الإلهية في الصفات المحمّدية ، وسأذكر من ذلك ما دلّ عليه الكتاب الحديث تصريحا ، وإشارة وتلويحا . فمن ذلك اسم اللّه ، والدليل على أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مظهرا لهذا الاسم : قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] « 1 » .
--> - وتعالى ، ثم قال بعد كلام : فإن القرآن هو الجامع للأسماء والصفات ، وهو معنى الخبر الذي روت عائشة رضي اللّه عنها في قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] قالت : كان خلقه القرآن فأخلاق النبي صلى اللّه عليه وسلم من القرآن مأخوذة فكان ينظر إلى أوصاف بارئه وأخلاقه جل وتعالى فيقتدى بها ويتعبد له بها على حسب ما أقر وقد روى عنه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك خبر روى عنه أنه قال : تخلقوا بأخلاق اللّه ، انتهى بلفظه أيضا . تنبيه : كمال الخلق إنما ينشأ عن كمال العقل وعقل نبينا صلى اللّه عليه وسلم وصل في الكمال إلى غاية لم يصل ولا يصل إليها مخلوق أبدا ومن ثم روى داود بن المحبر في كتاب العقل له عن ابن عباس قال : أفضل الناس أعقل الناس وذلك نبيكم صلى اللّه عليه وسلم . وانظر : جلاء القلوب ( بتحقيقنا ) . ( 1 ) قال ابن زكري في شرحه للصلاة المشيشية : فأسند رميه إلى اللّه ولا تتصور هذه الربوبية إلا بإعطاء كل ذي حق حقه وإفاضة جميع ما يحتاج إليه العالم وهذا المعنى لا يمكن إلا بالقدرة التامة والصفات الإلهية جميعها فله كل الأسماء يتصرف بها في العالم حسب استعداداتها ولما كانت هذه الحقيقة مشتملة على جهتين الإلهية والعبودية لا يصح لها ذلك أي الإلهية أصالة بل تبعية وهي الخلافة فلها الإحياء والإماتة واللطف والقهر والرضا والسخط وجميع الصفات لتتصرف في العالم وفي نفسها وبشريتها أيضا لأنها منه وبكاؤه عليه الصلاة والسلام وضجره وضيق صدره لا ينافي ما ذكر فإنه بعض مقتضيات ذاته وصفاته ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء من حيث مرتبته وإلا كان يقول من حيث بشريته للعالم فالضجر من يقع حيث مرتبته وعجزه ومسكنته وجميع ما يلزمه من النقائص -